الشيخ محمد رشيد رضا
99
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه ؛ بل رحمه وعذره . ولم تكن المصلحة العامة تتوقف عل قتله . ولم تكن العرب قبل الاسلام تراعى هذه الدقة في حفظ الدماء ، بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحروب ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل ، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال « لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال » وفي ذلك من أحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها ، وما كانت العرب تراعى ذلك دائما لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم ، وقد امتثلو الأمر على استشراف . ولذلك قال بعض الأنصار - وقد رأى قريشا قد سرحت الظهر والكراع في زروع المسلمين أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب ؟ وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبع مائة فيهم خمسون فارسا ، وظاهر بين درعين - اى لبس درعا فوق درع - واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد اللّه بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف ، وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال « انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك » ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بنى عبد الدار ، وجعل على احدى المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو ثم استعرض صلّى اللّه عليه وسلّم الشبان يؤمئذ ، فرد من استصغره عن القتال وهم 17 واحاز افرادا من أبناء الخامسة عشرة ، قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ، ولعله الصواب . فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة ، فقيل له يا رسول اللّه ؛ ان رافعا زام فأجازه ، فقيل له فان سمرة يصرع رافعا . فاجازه ، وروى أنهما تصارعا امامه ورد عبد اللّه بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق ، وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها ؛ فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة